المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تراجع أمريكا جيوبوليتيكياً



shark
12-07-2008, 11:26 AM
تراجع أمريكا جيوبوليتيكياً

أوباما ضد أسامة:

"أوباما" هي كلمة السر، لمجمل التغيرات الاستراتيجية التي ضربت أمريكا والعالم،
منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001، وباراك حسين أوباما هو رمز تلك التحولات،
وهو السهم الأخير في جعبة أمريكا لترمي به أعداءها الألداء،
بما يمثّل من أصول عرقية راهنة وجذور دينية سابقة،

إذ لا يمكن أن يكون مجيئه إلى رئاسة الولايات المتحدة -قاهرة الهنود الحمر ومستعبِدة الأفارقة السود- على صهوة حصان أبيض، وبتخطيط عقل مدبر يهودي إسرائيلي، مجرد التقاء مصالح بين أقليات متحالفة.

وليس الرأي العام الغاضب من سياسات بوش من أوصل أوباما إلى البيت الأبيض، وليست عبقريته الفائقة هي التي قهرت خصومه في الحزب الديمقراطي، ولا سيما هيلاري كلينتون، فمهّدت له الطريق لتجاوز خصمه الجمهوري بطل الحرب جون ماكين بسهولة أكبر،

بل هو نتاج مراجعة استراتيجية شاملة، لذوي النفوذ الحقيقي من أصحاب المال، ومراكز التفكير، والمؤسسات السياسية والإدارية المهيمنة على كل مفاصل الحياة في الولايات المتحدة. ولا شك أن خلاصات تلك المراجعة توصلت إلى نقطة ضعف أمريكا وربما مقتلها، فجاءت بأوباما لتصحيح الصورة، وتجديد الأمل بالنصر.

وهذا ما يعزز الرؤية المساقة فيما سبق، من أن أمريكا أصيبت ذلك الثلاثاء الأسود في صورتها، وهو ما بات يؤثر سلباً في دورها، واستطراداً في قوتها المستمدة أصلاً من بقية العالم، طوعاً أو كرهاً.

مفاجأة أكتوبر

لكن ما يضاهي هذا الحدث أهمية غياب الموقف الرسمي للقاعدة، قبيل موعد الاقتراع، أو ما اصطلح على تسميته بمفاجأة أكتوبر، فلم يتكرر ما حدث في انتخابات عام 2004، حين أدى ظهور شيخ الجهاد أسامة بن لادن، إلى تهافت جون كيري سريعاً، وعودة بوش الابن إلى البيت الأبيض. وهذا ما يدفع إلى السؤال عن الموقف الحقيقي للقاعدة آنذاك، فهل كانت تريد إسقاط كيري عمداً، فيستمر المنهج الغبي لبوش، وهو أكثر ملاءمة لاستراتيجية الجهاد العالمي؟ أم كانت تريد تعزيز حظوظ كيري حتى تنهار استراتيجية بوش وتثبت إنجازات العراق خاصة؟

لو اعتمدنا السياق المنهجي ذاته لهذه الورقة لرجّحنا الاحتمال الأول، فالاستراتيجية العدائية لبوش والتي نفّرت منه الحلفاء والأصدقاء في أرجاء الأرض، كانت تؤدي تماماً إلى المقاصد الأصلية لغزوة نيويورك وواشنطن، بمعنى ضرب أمريكا في مركز ثقلها الرمزي، ما يفضي على التوالي إلى إنهاك قواها الاقتصادية فالعسكرية، وتهديد مكانتها على قمة النظام العالمي، وتعطيل دورها الاستراتيجي، في العالم الإسلامي تحديداً.

لكن هذه الرؤية تصطدم بموقف الحياد اللاحق بين أوباما وماكين، حيث جاء التعليق بعد ذلك من أمير دولة العراق الإسلامية، بالنيابة عن المجاهدين في كل جبهات القتال، وبما يتضمن اتجاهاً مختلفاً بالكلية عن الخطاب السائد حتى تلك اللحظة.

فماكين هو امتداد لبوش في كل شيء تقريباً، وكان متوقعاً منه مواصلة سياسة الصدام التي انتهجها سلفه وهي مكلفة جداً لبلاده وتستنزفها مادياً ومعنوياً، وكان منطقياً من منظور القاعدة العمل على إحراج أوباما وتعزيز حظوظ ماكين، برسالة إعلامية مدروسة كما هي العادة. وعليه، فإن غياب الموقف هو موقف بحد ذاته، ما يدلّ على قراءة استراتيجية جديدة لأفق الصراع ومراحله، وبما تقتضيه التحديات والمعطيات الميدانية، وقد انفسحت ساحة الجهاد لتضم مناطق شاسعة، في قارات مختلفة، مع بروز احتمالات جدية للاصطدام مع متفرعات الإخوان المسلمين في أكثر من جبهة، بسبب اختلاف المنهج، وليس في العراق وحسب.

فهل هي استراتيجية الضد النوعي من جانب القاعدة؟

إذا كانت أمريكا تريد تجميل نفسها أمام العالم، ونزع صورتها المتعطشة للدماء والحروب، دون التخلي عن أهدافها ولا أطماعها، فلماذا لا تجابهها القاعدة بخطة إعلامية مضادة، تثبت فيها أيضاً أنها لا تخوض الحروب عبثاً، ولا تقتل أعداءها حباً بالقتل فقط. وإذا ما لجأت واشنطن إلى لعبة الخداع والتذاكي، فإن الرد لا بد وأن يكون من المستوى نفسه.




موجبات أوباما

ولم يكن وصول إفريقي أسود إلى البيت الأبيض سوى مسألة وقت، ومنذ سنوات، يجري همس متواتر في أمريكا عن وصول حتمي لرئيس من الأقليات، قد يكون يهودياً (جوزف ليبرمان مثلاً والذي خاض الانتخابات كنائب للرئيس في حملة آل غور عام 2000)، وقد يكون امرأة للمرة الأولى (هيلاري كلينتون هي المرشحة الأبرز)، فإذا به يأتي من الأقلية السوداء، والتوقيت له علاقة بالتوترات العرقية داخل الولايات المتحدة والتي تتفاقم عادة في زمن الأزمات الاقتصادية،

حيث كان العالمون يتوقعون انفجار الأزمة المالية في أي وقت، وربما كان الانفجار الأخير متحكّماً به كي لا يتسبب بأضرار أكبر بكثير، إضافة إلى ارتباط الحدث عضوياً بالتحديات التي تواجهها أمريكا مع العالم الإسلامي، حيث يبدو أوباما وكأنه جزء من حملة علاقات عامة بعدما أخفقت كل المشاريع السابقة في ردم الفجوة المعنوية بين أمريكا والعالم.

فالمشكلات العرقية والدينية تفاقمت بعد الحرب الباردة وشكلت تحدياً للمجتمع الأمريكي المتعدد، وجاءت أحداث 11 أيلول/سبتمبر لتقدّم إنذاراً واضحاً بأن هذه المشكلات إذا لم يتم استيعابها، وبخاصة الأفكار والقوى الإسلامية فستكون لها آثار خطيرة على الاستقرار والوحدة داخل المجتمع الأمريكي.

وبعد أن كان المنظّر صموئيل هانتغنتون يتحدث عن خطوط تماس دينية وحضارية في طول الأرض وعرضها، أتت تفجيرات نيويورك وواشنطن لتنقل صدام الحضارات إلى داخل الولايات المتحدة بحيث عمقت التناقضات بين التيار السياسي الرئيسي والإثنيات المختلفة، بين الضبط الاجتماعي وحقوق المواطنين، بين الهجرة المفتوحة والعداء تجاه الأجانب، وأحد الإجراءات المتبعة لتخفيف هذه التناقضات كان شنّ بوش الحرب على الراديكالية الإسلامية لتقوية النفوذ العالمي، وهذا متعارف عليه، لكن الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة لم تتحدث عنه إطلاقاً.

ولم تُرجع الهجمات إلى سياساتها في الشرق الأوسط، ولا إلى صدام الحضارات، بل إلى القيم التي تحملها أمريكا ويكرهها الإسلاميون.

ولم تكن الديمقراطية الأمريكية يوماً سوى ديمقراطية الرجال البيض.
فتوماس جيفرسون أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة كان لديه حكم مسبق من السود.

وحتى محرّر العـبيد أبراهام لينكولن كان يعتقد أن ثمة فجوة كبيرة بين البيض والسود من حيث الطبيعة البشرية ما يمنع العيش بين الفريقين بمساواة كاملة.
وكانت النظرة العنصرية وراء الموقف العدائي تجاه الثورات في جنوب شرقي آسيا لا سيما في الصين وخلال الحرب الفيتنامية.

وهذه العنصرية هي التي أضعفت جاذبية الديمقراطية الأمريكية بنظر بقية العالم،
كما يرى مدير مؤسسة الدراسات الأمريكية في الصين، وانغ جيسي Wang Jisi.

لكن، مع ازدياد الاعتماد على المجهود الحربي للسود الأمريكيين، لا سيما في الحرب العالمية الثانية، عمدت إدارة هاري ترومان إلى إلغاء التمييز العنصري داخل الجيش أثناء الحرب الباردة.
وتفاقمت المطالبة بالمساواة طبقاً لنصوص الدستور،
(حركة الحقوق المدنية لمارتن لوثر كينغ في الستينات)

فكان لها أثر تدريجي وتراكمي، بحيث بدأت العنصرية تتقوّض من داخل، ثم حدثت التغييرات في المجتمع الأمريكي في الثمانينات والتسعينات مع تدفق المهاجرين الجدد ما أثر على صيغة الديمقراطية وعلى الممارسة السياسية.

ورغم أن العنصرية لم تُمحَ تماماً،
إلا أن العولمة والعدد الهائل من المهاجرين أفقد المجتمع الأمريكي الثقافة الواحدة والعرق الواحد والدين الواحد، فطُرحت هواجس عن مصير المجتمع والدولة في الولايات المتحدة مع التغيرات الديمغرافية الهائلة، إذ ما الذي يجمع الناس بعضهم إلى بعض؟

وفي هذا يقول المؤرخ آرثر شليسنجر، بما سيقدّم لاحقاً تفسيراً جوهرياً للحملة الأكاديمية المنسقة لمرحلة ما بعد بوش:
"إن الولايات المتحدة تحتاج أكثر من أي وقت في تاريخها إلى القيم كالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان كي تبقى موحدة.
كذلك تحتاج السياسة الخارجية إلى القيم نفسها لأنها تخدم السياسات المحلية في نهاية المطاف.

وكلما روّجت أمريكا الأيديولوجية الديمقراطية في العالم زاد نفوذ سياساتها الخارجية".
لكن إذا كان العدد الفائض للمهاجرين غير البيض إلى الولايات المتحدة يمثّل تحديات ومخاطر على كافة المستويات، كما يؤكد الكاتب المحافظ بيتر بريميلوPeter Brimelow، في كتابه "الأمة الأجنبية" “Alien nation” أو أمة الغرباء بتعبير أوضح، فإن ثمة منافع أخرى من هؤلاء المهاجرين، بحيث يقومون بدور فعال في أحيان كثيرة في العلاقة بين أمريكا والعالم،

علماً أن تدفق بعض المهاجرين كان نتاج السياسة الخارجية الأمريكية ثم أصبح هؤلاء عاملاً أساسياً في سياسة أمريكا الخارجية تجاه البلدان الأصلية، وهذا قد يحدد نوع المهمة التي يحملها الرئيس الجديد من أصول إفريقية، بل قد يكشف نوع الأولويات الاستراتيجية الأمريكية في السنوات الأربعة المقبلة على الأقل،
وهي مهمة قابلة للتمديد أربع سنوات أخرى!

فبسبب عداء أمريكا للنظام الشيوعي في كوبا تدفق إليها المهاجرون الكوبيون حتى بلغوا 1,3 مليون نسمة، وبعد الانسحاب الأمريكي من فيتنام الجنوبية تدفق المهاجرون إليها حتى بلغ عددهم مليون نسمة، و قد بلغ المجموع الإجمالي للمهاجرين الآسيويين 12,5 مليون نسمة. وأضحى عدد الموظفين من السود والملّونين في الجسم الدبلوماسي والأجهزة العسكرية والاستخبارية أكبر بكثير من نسبة الأقليات التي ينتمون إليها بالمقارنة إلى مجمل المجتمع.

وقام المهاجرون الآسيويون واللاتينيون بأدوار مهمة في التفاعل بين الولايات المتحدة والبلدان الأصلية لتلك الأقليات، فيما اسُتخدم الإيرانيون والعرب في جمع المعلومات الاستخبارية عن بلدانهم.
ولم تهتم أمريكا كثيراً لاحتمال استخدام الأقليات من البلدان الأصلية في الاتجاه المعاكس.

مصير بريطانيا

والسؤال المقلق الذي ينتاب الخبراء الأمريكيون بعد سلسلة الحروب التي أنهكت الجيش، والأزمة المالية الطاحنة التي تتعاقب موجاتها الارتدادية في كل البلدان، هو هل حانت ساعة أمريكا كقوة استراتيجية وجيوبوليتيكية آيلة للأفول، كما كان مصير بريطانيا العظمى في مطلع القرن العشرين؟

يقول فريد زكريا المحرر الدولي في مجلة "النيوزويك" في مقال له بفصلية "شؤون خارجية" تحت عنوان "مستقبل القوة الأمريكية":

إن المقارنة خاطئة بين مآل الإمبراطورية البريطانية بالأمس ومصير الولايات المتحدة اليوم. فمشكلة بريطانيا كانت اقتصادية وتكنولوجية، ومع ذلك استمرت تقود العالم خلال آخر سبعين سنة من انحسارها الاقتصادي، فيما تكمن مشكلة الولايات المتحدة اليوم في أخطائها السياسية، إذ هي عاجزة عن القيام بإصلاحات بسيطة والتي بها تستطيع وضع خطى ثابتة من أجل المستقبل، بل لا تعي العالم الجديد الذي ينشأ حولها، وتحتاج بشدة إلى تعديل السياسات الخارجية.

لقد كانت الإمبراطورية البريطانية تحتل ربع اليابسة التي يسكنها ربع سكان العالم.
وكانت البحرية الملكية هي الأقوى في التاريخ، فيما تربط بين قواعدها ومستعمراتها حول العالم 170 ألف ميل من الكابلات البحرية و662 ألف ميل من الكابلات الهوائية والمدفونة تحت الأرض.

وبواسطة التلغراف والسكك الحديدية والقنوات البحرية قامت أول شبكة اتصالات ومواصلات عالمية، كما أنشأت بريطانيا أول سوق تجارية عالمية.

وفيما يخص القوة الناعمة، وقبل رواج المصطلح في أمريكا، كانت بريطانيا أول من استخدمها عبر تصدير الأفكار والمُثُل إلى العالم. وكما هو حال شعار "الحلم الأمريكي" اليوم كان الشعار السائد آنذاك هو "الطريقة الإنكليزية في العيش"، فكان الناس يشاهدونها ويُعجَبون بها ويقلّدونها. وبفضل الإمبراطورية البريطانية، تحولت الإنكليزية إلى لغة عالمية، يتكلم بها الناس من البحر الكاريبي فكاب تاون في جنوبي إفريقيا إلى كالكوتا بالهند.

وكانت هي وإسبانيا تتنافسان على تصدير الأفكار والعادات إلى مستعمراتهما الغربية، وكانت إسبانيا تصدّر فكرها المضاد للتيار الإصلاحي فيما كانت بريطانيا تصدّر التعددية الدينية والرأسمالية، وقد نجحت هي فيما فشلت إسبانيا حيث تبين أن أفكارها أكثر عالمية.

لكن يبرز وجه شبه عجيب بين أواخر أيام بريطانيا والولايات المتحدة اليوم، ففي أواخر القرن التاسع عشر، خاضت بريطانيا حربين متعاقبتين، الأولى ضد المهدي في أم درمان في السودان، وكانت حرباً سهلة كما ستكون حرب أمريكا في أفغانستان أواخر عام 2001.

وفي تلك المعركة، قُتل 48 جندياً بريطانياً فقط مقابل 48 ألف إصابة بين أتباع المهدي. والثانية ضد البوير في جنوبي إفريقيا، عام 1899، بذريعة الدفاع عن الناطقين بالإنكليزية، الذين كانوا يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية، في حين أن السبب الحقيقي للحرب كان اكتشاف الذهب في جمهوريات البوير منذ عام 1886، بحيث صارت جمهوريات البوير تصدّر ربع إنتاج العالم، وهذا شبيه بما سيجري في العراق تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل عام 2003، في حين أن السبب الحقيقي هو مخزون النفط الهائل.

وكما ظنت أمريكا أن حربها في العراق ستكون سهلة بمقارنة حرب أفغانستان، ظنت بريطانيا أن حربها مع 30 ألف من الفلاحين البوير ستكون سهلة سهولةَ معركة أم درمان.

وكان الجيش البريطاني أكبر عدداً وأفضل عدة، وعلى رأسه قادة مشهورون مثل اللورد كيتشنر الذي هزم المهدي، لكن البوير قاتلوا باستماتة، فهم يعرفون الأرض وشنوا حرب عصابات ناجحة، فلجأ البريطانيون إلى تكتيكات وحشية مثل إحراق القرى ووضع السكان في مخيمات اعتقال، وكانت الأولى في التاريخ.

وظلت بريطانيا ترسل التعزيزات إلى أن أصبح عديد الجيش 450 ألف جندي مقابل 45 ألف من ميليشيا البوير. ورغم أن البوير استسلموا أخيراً عام 1902، لكن بريطانيا هي التي خسرت بفقدانها 45 ألف إصابة ونصف مليار جنيه، مع وصول الجيش إلى نقطة التمزق بسبب العبء الهائل، واكتشاف حالات عدم الكفاءة والفساد على نطاق واسع فيه، كما أن تكتيكاتها الحربية البربرية أساءت إلى صورتها أمام العالم، وهي التي حافظت على مكانتها القيادية بالقوة الناعمة غالباً.

وحتى بقية القوى الكبرى، فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة عارضت أفعالها، وانقسم الرأي العام البريطاني بشدة حول الحرب.




الوقت الضائع


وإذا كانت الولايات المتحدة بجغرافيتها الواسعة وسكانها المعزّزين بموجات متتالية من المهاجرين ومواردها الطبيعية الغنية وقدراتها الصناعية والتكنولوجية، أبعد ما تكون عن مآل الجزر البريطانية المعزولة، إلا أن الظروف المشابهة المشار إليها آنفاً، أضعـفتها ولو مؤقتاً، وانكشفت تماماً أمام الغزو الروسي لجورجيا أخيراً، فبانت عاجزة عن نصرة حلفائها في وقت الشدة.

ويشرح الموقف جورج فريدمان المحلل الاستراتيجي، فيقول إن النظام العالمي يعاني من اختلالين:
الأول أن الولايات المتحدة تبقى متفوقة إلى حد كبير، حتى لو اجتمعت قوى عدة معاً فلن يكون بمقدورها ضبط سلوك أمريكا.

ورغم المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة، لكن الاقتصاد الأمريكي ما يزال أكبر من الاقتصادات الثلاثة مجتمعة (اليابان وألمانيا والصين). وتتحكم القوات الأمريكية بمحيطات العالم وتسيطر على الفضاء.
وبسبب هذه العوامل، تبقى الولايات المتحدة قوة سياسية مؤثرة، ليست محبوبة، وربما لا تثير الإعجاب، لكن قوية إلى درجة هائلة.

الاختلال الثاني يكمن حسب فريدمان داخل الولايات المتحدة، فقواتها البرية وجزء كبير من قدراتها اللوجيستية متورطة في الشرق الأوسط، وبالأخص في العراق وأفغانستان، وثمة احتمال للحرب في إيران، فيما تغرق باكستان في الاضطراب، وهو ما يقيّد القوة الجوية.

وعليه، فإن الولايات المتحدة قوية بمكان بحيث تتسبب بالاختلال في النظام العالمي على المدى الطويل، لكنها فاقدة للتوازن على المدى القصير، حيث تتضاءل الموارد العسكرية إن لم تنعدم، في مواجهة التحديات في أي مكان آخر، وهذا ما يتيح المجال لدول أخرى كي تتحرك.

ولكن إذا كانت أمريكا قوية بالنسبة للآخرين،
فما الذي أوقعها في الضعف الظاهر الآن؟

يقول فريدمان: نجحت الولايات المتحدة في إقامة تسوية سياسية بين الأفرقاء الأساسيين ما أدى إلى حكومة مستقرة نسبياً في العراق، لكن المشكلة أن الحرب استمرت خمس سنوات، وهي الحرب التي لم تتوقعها قط ولم تخطط لخوضها.

واضطرت أمريكا للدفع بجزء كبير من قدراتها القتالية البرية إلى العراق، فكان الجيش عبارة عن وحدات عائدة من نوبتها أو وحدات تستعد للانتشار مجدداً، وأي قوات احتياطية استراتيجية متوافرة كانت تُرسل إلى أفغانستان، حتى لم يبق إلا القليل.

ومع ذلك كله، لم تتخل الولايات المتحدة عن التزاماتها في أماكن أخرى، فهي ومنذ انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي وهي ترى أن لها دوراً أساسياً في رعاية الديمقراطية الناشئة في دول الاتحاد السوفياتي السابق وقيام الأسواق الحرة في هذه البلدان، تماماً كما كانت تنظر إلى اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

فخلال التسعينات، كانت الدول الناشئة ضعيفة ولا سيما روسيا.وبسبب المشكلات الداخلية وإعادة البناء كان الروس عاجزين عن مقاومة التدخل الأمريكي والأوروبي في الشؤون الداخلية والإقليمية، من حرب كوسوفو إلى توسيع حلف الناتو، إلى إقامة قواعد أمريكية جوية في آسيا الوسطى.

وكان هذا توسعاً منطقياً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومحاولة لنشر الاستقرار في المنطقة من أجل الازدهار والأمن ودمج الدول الجديدة في النظام العالمي من وجهة نظر واشنطن.

وعندما استعادت روسيا توازنها من فوضى التسعينات، راحت تنظر بعين الريبة إلى الدور الأمريكي والأوروبي في المنطقة بحيث بدا للروس أن الولايات المتحدة تريد الاستفادة من الضعف الروسي لفرض وقائع سياسية وعسكرية بحيث تحاصر روسيا بلدان مسيطر عليها من الولايات المتحدة وعبر أداتها العسكرية: الناتو.

ورغم الوعد الذي قطعه كلينتون بعدم مدّ حلف الأطلسي إلى دول الاتحاد السوفياتي السابق، لكن تم استيعاب دول البلطيق الثلاثة، وتوسع الناتو لأنه ببساطة، كان بمقدوره فعل ذلك ولأن روسيا لم تكن تستيطع فعل شيء.

أما النقطة الحاسمة فكانت أوكرانيا، عندما وقعت الثورة البرتقالية عام 2004، حيث رأت موسكو فيها عملية منسقة ومموّلة من الاستخبارات الأمريكية، لتشجيع انتفاضة معادية للروس وموالية للأمريكيين.

وعندما بدأت الولايات المتحدة تناقش ضم أوكرانيا إلى الناتو، بدا لروسيا أن هذه الخطوة سيضعها في مأزق استراتيجي، عندما تصبح بلا دفاعات.

ولو أرادت الولايات المتحدة قصم ظهر روسيا استراتيجياً لكان ذلك متاحاً لها في التسعينات في عهد يلتسين وقبل مجيء بوتين وقبل أحداث 11 أيلول/سبتمبر.

لكن لم تكن ثمة سياسة أمريكية بهذا الاتجاه، لأنها كانت تعتقد أنها تملك كل الوقت في الكون، ولم تفهم أن زمن الضعف أيام يلتسين هو مجرد مرحلة مؤقتة، وأن روسيا ستستعيد بعض قوتها ببوتين أو بغيره، ففقدت هامش المناورة وأضاعت الوقت.

ورغم تورطها في الشرق الأوسط، ظلت أمريكا تمارس سياسة عدائية للتأثير على دول الاتحاد السوفياتي السابق، وبدأت إجراءات ضم أوكرانيا وجورجيا إلى حلف الأطلسي رغم أهميتهما الاستراتيجية لموسكو، فأوكرانيا تشرف استراتيجياً على الخاصرة الجنوبية الغربية لروسيا، ومن دون أوكرانيا حيث لا حواجز طبيعية تفصل بينها وبين الدول الأخرى، تصبح روسيا بلا دفاعات.
أما جورجيا فهي مصدر إزعاج في الشيشان، وهي عائق أمام مصالحها في القوقاز.

لقد استمرت أمريكا في السياسة نفسها بعد عام 2000، بعدما أصبحت روسيا أكثر قوة وأكثر توحداً وتحت إدارة أفضل، في حين لم تعد القوات الأمريكية متاحة كما كان الأمر قبل ذلك. وتركزت الحسابات الأمريكية في أن روسيا لن تفعل شيئاً لتحدي مصالحها في المنطقة، أما الحسابات الروسية فتتلخص أنه من الخطأ الانتظار حتى تنجح الولايات المتحدة في ترتيب شؤون العراق خلال السنوات المقبلة، إضافة إلى أن أمريكا تحتاج إلى روسيا من أجل سريان العقوبات على إيران.

shark
12-07-2008, 11:27 AM
القوة الذكية

وإذا كانت القوة الخشنة قد فشلت والقوة الناعمة غير قادرة لوحدها على مواجهة التحديات الهائلة، فقد بدأ الخبراء الأمريكيون يسوّقون لمصطلح جديد هو القوة الذكية.

والقوة حسب أبرز الاستراتيجيين الأمريكيين جوزف ناي ومنظّر استراتيجية القوة الناعمة، هي إمكانية الحصول على المكاسب التي تريدها إما عن طريق القسر أو دفع المال، وهي القوة الخشنة، أو عن طريق الاستمالة وهي القوة الناعمة.

وعلى سبيل المثال، فإن دالاي لاما زعيم التيبيت في المنفى مثلاً يستخدم القوة الناعمة بالكامل في صراعه مع حكومة بكين، لكن معظم الفاعلين في الشأن السياسي ينتهون إلى اعتماد مزيج من القوة الناعمة والقوة الخشنة، وهذا المزيج هو القوة الذكية.

والاستراتيجية الفعالة هي التي تستخدم مصادر القوة الخشنة والقوة الناعمة معاً، لكن مشكلة إدارة بوش كما يؤكد ناي أنها أهملت القوة الناعمة وحاولت الاعتماد على القوة الخشنة فقط.

"ولا يمكن للقوة الناعمة أن تحل كل المشكلات، إذ لا يمكنها مثلاً إقناع حركة طالبان بالتوقف عن منح القاعدة ملاذات آمنة في أفغانستان، لذلك فإن استخدام القوة الخشنة أساسية في هذا الموضع.

لكن بالنظر إلى ما حدث في العراق، فقد تبين أخيراً أن استخدام القوة الخشنة وحدها أدى إلى نتائج معاكسة.

واستراتيجية مكافحة التمرد تستخدم الآن قدراً كبيراً من القوة الناعمة إلى جانب القوة الخشنة، لذلك فإن الاستراتيجية الأصلية في العراق لم تكن ذكية.

وبخصوص الحرب على القاعدة، فقد ارتكبت أمريكا أخطاء كثيرة، فلا يمكن حسب ناي هزم القاعدة دون استمالة الجمهور الواسع في العالم الإسلامي، وإذا كانت أمريكا عاجزة عن استمالة جمهور المسلمين فلن تتمكن من تحقيق النصر بالقوة الخشنة".

ويقول ريتشارد أرميتاج النائب السابق لوزير الخارجية الأمريكي وزميل جوزف ناي في ترؤس اللجنة الثنائية الحزبية حول القوة الذكية: "بعد 11 أيلول/سبتمبر بدأنا نصدّر إلى العالم خوفنا وغضبنا ووجهنا المكشر بدلاً من الأمل والتفاؤل والفرص.
يجب إبعاد الإرهاب من قلب اهتمامنا الأساسية، مع أنه حقيقي ومطرد في النمو.

لكن مع عدم وصول الإرهابيين إلى أسلحة الدمار الشامل، فإن الإرهاب لا يشكل خطراً وجودياً على نمط الحياة الأمريكية.
يمكنهم إيذاءنا وقد فعلوا وسيحاولون مرة أخرى، لكن ذلك لن يغير نمط الحياة، بل إن ردّنا عليهم بهذه الطريقة هو الذي سيغير نمط الحياة عبر استخدام مفرط للقوة ورفض السياسات ذات الأهمية لأصدقائنا وحلفائنا، ووضع أنفسنا فوق القواعد القانونية الدولية، وهو ما يحرّض على تجنيد مزيد من الإرهابيين وراء البحار.
وبسياسات مكافحة الإرهاب اشتهرنا بالمعايير المزدوجة وهذا يؤذي إمكانية جلب شركاء وحلفاء.

بعد ست سنوات من الحرب على الإرهاب، يبقى الجيش الأمريكي هو الأفضل في العالم لكنه يحتاج إلى وقفة.
ولا يجوز أن يكون الإنفاق على المسائل العسكرية على حساب الأدوات المدنية للقوة،
ما نحتاج إليه هو سلاح وزبدة معاً